الرئيسية / مقالات / ثقافة التوحش والغاء الآخر لدى أطراف الصراع في اليمن ..؟!!

ثقافة التوحش والغاء الآخر لدى أطراف الصراع في اليمن ..؟!!

الفجر اليمني : طه العامري ..

بلغت ثقافة التوحش لدى أطراف الصراع في اليمن مدى يصعب أو يستحيل معه التعايش أو الشراكة الوطنية انطلاقا من الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي الذي يتبناه أطراف الصراع ويسوقوه بين أتباعهم وفي وسائطهم الإعلامية المختلفه ..هذا الخطاب الذي يكرس كل قيم الحقد والكراهية وصولا إلى الرغبة الجامحة لدى كل طرف في إلغاء الآخر الوطني والتنكيل به سياسيا وعسكريا وامنيا واجتماعيا ومصادرة حقه في المواطنة ..هذا الخطاب الذي يوظفه أطراف الصراع في سبيل تحقيق مصالحهم وقد يختفي ويتلاشى هذا الخطاب إذا ما أتفق أطراف الصراع وضمن كل طرف مصالحه في تقاسم السلطة والثروة والنفوذ على الخارطة الوطنية ..لكن تأثيرات ومؤثرات هذا الخطاب وتداعياته على الغالبية الشعبية والسكينة الاجتماعية فعل يشكل كارثة مجتمعية يصعب تلافي تبعاتها على المدى المنظور ..
لقد أعطى أطراف الصراع لصراعهم _ مثلا _ بعدا دينيا رغم أن صراعهم ذا طابعا سياسيا رغم أن الصراع تفجر لدوافع سياسية غير أننا نسمع ونشاهد كل طرف يعطي لصراعه طابعا وبعدا دينيا فنرى من يتحدث عن ( الروافض والمجوس وعملاء إيران ) فيما الآخر يتحدث عن ( التكغيرين والدواعش وعملاء ومرتزقة السعودية والعدوان ) ؟!!
هذا الخطاب يكشف في مفرداته حالة إفلاس أطرافه وانتهازيتهم لأن صراعهم كانت أسبابه ودوافعه سياسية ارتبط بمصالح النخب النافذة حتى أن هذا الصراع لا يتصل بمصالح الوطن والشعب اللذان وجدوا أنفسهم مجبرين في التعاطي مع هذا الصراع بمفرداته وخطابه وثقافته انطلاقا من حسابات عصبوية قبلية ومذهبية وحزبية ومناطقية وبالتالي انتفت من هذا الصراع الأبعاد الشعبية والاجتماعية والوطنية وبرغم مظاهر ما يبدوا انه التفاف شعبي حول أطراف الصراع ورموزه إلا أن الواقع يؤكد أن هذا الالتفاف له دوافع أخرى غير الدوافع الوطنية ..
أن ما يجري اليوم على الساحة الوطنية لا تقتصر تبعاته على تدمير البنى التحتية للوطن والتي من السهولة إعادتها ربما. بصورة أفضل مما كانت عليه لكن من الصعوبة ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته ثقافة الحقد والكراهية والتحريض وخطاب الشحن الاقصائي والالغائي ومحاولة الأطراف المتناحرة تجريد بعضها من كل قيم الانتماء الوطني وهي الثقافة التي كرستها انتهازية وانانية أطراف الصراع ..
لقد شهدنا وشهد آبائنا واجدادنا صراعات وخلافات وقتال ودماء بين أبناء الوطن لكن كل ما مر سابقا لم يكن بخطورة وحقد المرحلة وثقافتها بما في ذلك الصراع الجمهوري_ الملكي الذي انتهى بتطبيع العلاقة الاجتماعية والوطنية وأن على قاعدة هشة لكنها كانت قابلة للتعايش بعكس ما نراه ونعيشه اليوم من أحقاد وكراهية ورفض للآخر الوطني وتمسك كل طرف برؤيته القائمة على قاعدة انا الوطني والبقية خونة وعملاء ومرتزقة و انا المسلم والبقية كفار ومرتدين وخارجين من الملة ..؟!!
والمؤسف أن صراعنا اليوم تم منحه في خطاب المتصارعين مسحة أو دافع ديني فيه المذهبي والطائفي والرفض المطلق للآخر وتجريده من انتمائه الوطني والديني وباحكام يقينية لا تقبل المراجعة حتى في سياق الحوار المفترض أن يحدث بين أطراف الصراع والذي أصبح يحدث أن حدث برعاية خارجية بعد أن حالة ثقافة الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد المعول عليهم إدارة شئون الوطن والمواطن وهذا الأخير وجد نفسه مزعزع العقيدة والهوية وسقيم الوجدان يحصر انتمائه في طائفة أو قبيلة أو مذهب أو حزب أو منطقة مسقطا من حساباته واهتماماته كل قيم الولاء والانتماء الوطنين وهو مجبر على هذا الاختيار بحكم التركيبة المجتمعية وغياب الرؤية الوطنية الجامعه  والمشروع الوطني لدى النخب المعنية بإدارة شئون السلطة والوطن والشعب بعد أن صارت الوطنية مجرد شعار لدى بعض دعاتها كما هو الدين أصبح مجرد شعار لدى دعاته ومن يرفعون شعار الدين والدفاع عنه وعن قيمة وهم يمارسون سلوكيات تتنافى مع كل قيم الوطنية وأخلاقيات وتعاليم الدين حتى بثقافته المذهبية ..؟!!
أن ما يجري على الخارطة الوطنية جريمة بحق الوطن والشعب والأجيال الحالية والمستقبلية كما هو جريمة بحق الدين وتعاليمه وقيمه واخلاقياته ..!!
والمسئول عن هذه الجرائم هي النخب المتصارعة التي غلبت مصالحها الخاصة وأهدافها الرخيصة على كل القيم والاخلاقيات الدينية والوطنية ناهيكم عن تجاهل هذه النخب لمصلحتي الوطن والشعب ..!!
ويزداد الأمر تعقيدا حين نجد كل طرف يؤغل في تكفير الآخر ويجرده من قيمه الدينية والوطنية ويجذروا هذه المفاهيم القاصرة والكارثية في وجدان أتباعهم ومن يتشيعون لهم والمؤسف أن نجد هؤلاء الأتباع والمتشيعين يتحمسون لخطاب رموزهم حد التعصب دون وعي وبعيدا عن إرادتهم الطوعية بل يفعلون ما يفعلون لدوافع عصبيه نراها في تعصب ( الزيدي ) ضد ( الشافعي ) والعكس وفي تعصب الجنوبي ضد الشمالي والعكس وتعصب الإخواني ضد السلفي والعكس وتعصب ما يطلق عليه بالشرعية ضد ما يطلق عليه حكومة الإنقاذ وكل هذا يجري ويحدث وتتسع ادبياته وثقافته بسبب غياب المشروع الوطني والهوية الوطنية وثقافة واحدية الهوية والانتماء وتلك عوامل تجعل امكانية التعايش مستحيلة وأن فرضتها عوامل وإمكانية خارجية إقليمية ودولية ترعى أطراف الصراع لدرجة انه بات واضحا ومتداول في الخطاب السياسي والإعلامي محليا واقليميا ودوليا أن أزمة اليمن لن تحل ما لم يحدث تفاهم وانفراج في العلاقة السعودية _ الإيرانية وهذه بدورها لن تحدث ما لم يكون هناك تفاهم أمريكي _ روسي ..؟!!
وكان بالإمكان تجنب كل هذا لو كان لدى النخب اليمنية المتصارعة على السلطة رؤى وطنية ووعي وطني وقدرة على إدارة خلافهم بموضوعية وعلى قاعدة المصلحة الوطنية والمصلحة الجمعية للمواطن ..وهذا ما يصعب تحقيقه في حالتنا الوطنية التي تدار من قبل أطراف لا يمكن التفريق بينهم ولا يمكن ترجيح كفة أحدهم على الآخر ولو شئنا توصيفهم بعبارة واحدة لقلنا وباختصار أنهم جميعا ( عملا ومرتزقة وهم جميعا خانوا الوطن والمواطن ) دون استثناء وبالتالي من كانوا وراء كل هذه الأحداث من الصعب أن يكون قادرا على تقديم نموذج آخر مغاير لما هو قائم فمن يصنع الأزمات لا يمكنه إيجاد الحلول لها ومن يفجر حربا لا يمكنه إيجاد السلام أو تحقيقه ..!!

عن admin

شاهد أيضاً

صندوق النشء للفساد : وإختطاف صندوق النشء ..

الفجر اليمني : عبدالكريم الرازي :                    …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *